تكشف الكاتبة رامونا وادي أن أزمة الغذاء المتفاقمة في قطاع غزة لا تعود إلى نقص التمويل الإنساني وحده، بل ترتبط باستمرار العنف وتدفق الأسلحة إلى إسرائيل، في ظل عجز المجتمع الدولي عن توفير الحماية والمساعدات اللازمة للفلسطينيين. وترى وادي أن الحكومات التي تنفق مليارات الدولارات على التسلح تجد صعوبة في توفير 450 مليون دولار لضمان استمرار العمليات الحيوية لبرنامج الأغذية العالمي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ونشر موقع «ميدل إيست مونيتور» مقال وادي منتقدًا ما يصفه باستمرار التناقض بين الخطاب الدولي الداعي إلى حماية المدنيين والسياسات التي تسهم في استمرار الحرب وانعدام الأمن الغذائي في غزة.
نقص التمويل يهدد مئات الآلاف من الفلسطينيين بالجوع
أعلن برنامج الأغذية العالمي، يوم الاثنين، أن نحو 500 ألف فلسطيني في قطاع غزة سيُحرمون من المساعدات الغذائية بسبب نقص التمويل. وخلال عام 2026، لم يحصل البرنامج على أكثر من نصف التمويل الذي يحتاج إليه، فيما يتطلب 450 مليون دولار لمواصلة عملياته الحيوية في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الأشهر الستة المقبلة.
ووفقًا للبيانات التي أوردها البرنامج، لا يزال 1.1 مليون فلسطيني من أصل 1.6 مليون في غزة مؤهلين للحصول على خدماته، إلا أن نقص التمويل دفعه إلى خفض الحصص الغذائية إلى النصف، وتقليص عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة. كما بات الفلسطينيون المقيمون بالقرب من «الخط الأصفر» يحصلون على وجبة ساخنة واحدة يومًا بعد يوم.
وخفض البرنامج كذلك المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة، بينما لا تزال المخابز تحصل على الدعم، لكنه لا يغطي سوى ثلث السكان الذين تصل إليهم منتجاتها. وتأتي هذه التخفيضات في وقت تتجاوز فيه البطالة في القطاع 80%، ويواجه 1.4 مليون فلسطيني انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.
وترى وادي أن هذه الأرقام تعكس أزمة أعمق من مجرد عجز مالي؛ إذ تجعل الظروف المعيشية للفلسطينيين أكثر هشاشة، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يواجهون تداعيات الحرب والنزوح المستمر.
مليارات الدولارات للأسلحة مقابل عجز عن تمويل الإغاثة
في المقابل، سجلت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية رقمًا قياسيًا جديدًا للعام الخامس على التوالي، إذ ارتفعت من 14.8 مليار دولار في 2024 إلى 19.2 مليار دولار في 2025. وتشير الكاتبة إلى أن هذا الارتفاع تزامن مع الحرب على غزة، حين اكتفت حكومات بإصدار تصريحات تدعو إلى هدن إنسانية وتعرب عن أسفها لسقوط المدنيين، بينما أسهمت تجارة الأسلحة في استمرار العمليات العسكرية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
وتنتقد وادي التفاوت بين استعداد الحكومات لإنفاق مليارات الدولارات على التسلح، وعجزها عن توفير 450 مليون دولار لدعم العمليات الأساسية لبرنامج الأغذية العالمي. وترى أن هذا التناقض يكشف أولويات دولية لا تضع الاحتياجات الإنسانية في مقدمة سياساتها.
وتضيف أن الحكومات تدعم منظومة المساعدات الإنسانية، لكنها تستخدمها، بحسب المقال، غطاءً يخفي مساهمتها في استمرار العنف. غير أن هذا الغطاء بات عاجزًا عن إخفاء التناقض بين الخطاب الإنساني والسياسات التي تتيح استمرار الحرب.
وتؤكد الكاتبة أن المساعدات الإنسانية لم تُصمم لتكون بديلًا دائمًا عن إنهاء العنف، كما لم تحظَ الميزانيات المخصصة لها يومًا بالموارد نفسها التي تُنفق على الحروب. ومع استمرار هذا الخلل، تحذر من تطبيع واقع العنف الاستعماري في غزة، بحيث يصبح نقص المساعدات وانعدام الأمن الغذائي والجوع جزءًا معتادًا من حياة الفلسطينيين.
إخفاق المنظومة الإنسانية يرسّخ انعدام الأمن الغذائي
ترى وادي أن دعوات المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بمسؤولياتها بوصفها قوة احتلال لم تنجح في وضع حد للأزمة، وأن المنظومة الإنسانية أخفقت منذ نشأتها في معالجة الظروف التي تنتج الاحتياج المستمر إلى المساعدات. وتنتقد الكاتبة اقتصار بعض المواقف الدولية على مطالبة إسرائيل بضبط النفس، في حين ساهم الصمت الدولي، وفقًا للمقال، في إتاحة استمرار الانتهاكات.
وتحذر من أن استمرار العجز عن تمويل الإغاثة قد يجعل النزوح القسري وانعدام الأمن الغذائي والجوع مجرد أرقام في التقارير، بدلًا من التعامل معها بوصفها أزمات تتطلب تدخلًا عاجلًا وتغييرًا في السياسات. فكلما تراجعت المساعدات، ازدادت المخاطر التي تهدد الفلسطينيين الذين يعتمدون عليها لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وتخلص الكاتبة إلى أن غزة تكشف، في نظرها، إخفاق المجتمع الدولي في الفصل بين التزاماته الإنسانية ومساهمته في استمرار الحرب. وترى أن استمرار هذا التناقض، مع تراجع التمويل الإنساني وتدفق الأسلحة، يدفع القطاع نحو مزيد من انعدام الأمن الغذائي، ويُبقي الفلسطينيين أمام أزمة لا يمكن للمساعدات وحدها حلها ما دام العنف مستمرًا.
ويؤكد المقال أن معالجة الأزمة تتطلب ما يتجاوز توفير التمويل الطارئ؛ إذ تستلزم مواجهة الظروف السياسية والعسكرية التي تجعل السكان في حاجة دائمة إلى الإغاثة، بدلًا من التعامل مع آثار الحرب دون معالجة أسبابها.
The failed humanitarian paradigm exposes governments’ complicity in violence – Middle East Monitor

